دي بي كوبر D.B. Cooper | الرجل الذي خطف طائرة واختفى بالأموال

دي بي كوبر D.B. Cooper | الرجل الذي خطف طائرة واختفى بالأموال

في مساء 24 نوفمبر 1971 كانت طائرة بوينغ 727 تحلق بين بورتلاند وسياتل عندما بدأ واحد من أغرب ألغاز الجريمة الأميركية، رجل يرتدي بدلة داكنة اشترى تذكرة نقدًا باسم Dan Cooper، جلس بهدوء في المقصورة ثم أخبر إحدى المضيفات أن حقيبته تحتوي قنبلة، وبعد ساعات حصل على 200 ألف دولار وأربع مظلات، ثم أمر الطائرة بالإقلاع مرة أخرى قبل أن يفتح الدرج الخلفي ويختفي في سماء مظلمة ممطرة حاملًا أموال الفدية.

لم يُعثر على الرجل، ولم تظهر المظلة أو الجثة بصورة تحسم مصيره، كما لم يُسترد معظم المال، ومع مرور العقود أصبحت القضية المعروفة باسم D.B. Cooper واحدة من أشهر الألغاز غير المحلولة في تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي، لا لأن الجريمة كانت معقدة بصورة خارقة، بل لأن شخصًا نفذ اختطافًا أمام عشرات الشهود ثم خرج من طائرة في الجو واختفى تقريبًا من السجل التاريخي.

القصة الحقيقية أكثر إثارة من كثير من الإضافات التي صنعتها الأفلام والوثائقيات، وفي هذا الملف من عالم الظلام سنفصل بين ما تثبته وثائق التحقيق، وما بقي مجرد احتمال، وما أضافته الأسطورة بعد أن أصبح اسم كوبر جزءًا من الثقافة الشعبية الأميركية.

دي بي كوبر D.B. Cooper | الرجل الذي خطف طائرة واختفى بالأموال

من هو دي بي كوبر؟

هوية دي بي كوبر الحقيقية غير معروفة حتى اليوم، وكل ما نملكه في البداية هو الاسم الذي كتبه الرجل على تذكرة السفر، Dan Cooper، إلى جانب أوصاف قدمتها مضيفات الطائرة وصور تركيبية أعدها المحققون اعتمادًا على شهادات من شاهدوه من مسافة قريبة.

بحسب الملف الرسمي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، بدا الرجل في منتصف الأربعينيات تقريبًا، وكان يرتدي بدلة عمل داكنة وقميصًا أبيض وربطة عنق سوداء، كما وصفه الشهود بأنه هادئ ومسيطر على أعصابه، وهي صورة تختلف كثيرًا عن النموذج السينمائي للخاطف المتوتر الذي يصرخ طوال الرحلة.

المفارقة أن اسم D.B. Cooper نفسه لم يكن الاسم الذي استخدمه الخاطف، فالصحافة خلطت في الساعات الأولى بينه وبين رجل آخر جرى التحقيق معه يحمل اسمًا مشابهًا، ثم انتشر الخطأ بسرعة حتى أصبح الاسم الخاطئ أشهر بكثير من الاسم الموجود على تذكرة الطائرة.

معلومة مفصلية

الرجل الذي اختطف الطائرة عرّف نفسه باسم Dan Cooper وليس D.B. Cooper، أما الاسم الشهير اليوم فظهر نتيجة خطأ إعلامي مبكر، ولم يكتشف المحققون مطلقًا الاسم الحقيقي للرجل الذي جلس على الرحلة 305.

كيف بدأ اختطاف الرحلة 305؟

بدأت القصة بعد ظهر 24 نوفمبر 1971 في مطار بورتلاند بولاية أوريغون، حيث اشترى كوبر نقدًا تذكرة ذهاب فقط على رحلة Northwest Orient Airlines Flight 305 المتجهة إلى سياتل، وكانت الرحلة قصيرة نسبيًا ولا توحي بشيء استثنائي.

جلس كوبر في الجزء الخلفي من الطائرة، وطلب مشروبًا، ثم بعد وقت قصير من الإقلاع سلّم المضيفة فلورنس شافنر ورقة صغيرة، وفي البداية ظنت أنها ربما تحمل رقم هاتف أو محاولة تعارف فوضعتها جانبًا، عندها أخبرها الرجل بصوت منخفض أن من الأفضل أن تقرأها لأنه يحمل قنبلة.

ماذا رأت المضيفة داخل الحقيبة؟

عندما جلست المضيفة بجواره فتح كوبر الحقيبة بما يكفي لتشاهد أشياء وصفها الشهود بأنها أسلاك وأجسام حمراء تشبه أصابع الديناميت، ولا نعرف حتى اليوم هل كانت القنبلة حقيقية وقابلة للانفجار أم مجرد نموذج صُنع لإجبار الطاقم على تنفيذ أوامره.

لم يحتج الخاطف إلى اختبار تهديده، لأن مجرد احتمال وجود متفجرات على متن الطائرة كان كافيًا لدفع الطاقم إلى التعامل معه بجدية كاملة، فأرسل مطالبه إلى قمرة القيادة واستمرت الطائرة في الدوران بينما بدأت السلطات تجهيز ما طلبه.

ماذا طلب دي بي كوبر مقابل إطلاق سراح الركاب؟

كانت المطالب محددة بصورة لافتة، فقد طلب كوبر 200 ألف دولار نقدًا من فئة عشرين دولارًا، وأربع مظلات، كما أعطى تعليمات حول ما يريد حدوثه عند وصول الطائرة إلى سياتل.

اختيار أربع مظلات بدل واحدة ساهم لاحقًا في زيادة غموض خطته، إذ خشي المسؤولون في ذلك الوقت أن يكون كوبر ينوي أخذ رهينة معه أثناء القفز، ولذلك لم يتمكنوا ببساطة من إعطائه مظلة معطلة عمدًا خشية أن تصل إلى أحد أفراد الطاقم أو الركاب.

عند وصول الرحلة إلى سياتل تسلم كوبر المال والمظلات، ثم سمح للركاب البالغ عددهم 36 شخصًا بمغادرة الطائرة، كما نزل بعض أفراد الطاقم، بينما بقي عدد محدود منهم لاستكمال المرحلة الثانية التي كان الخاطف قد خطط لها.

لماذا اختار كوبر طائرة Boeing 727؟

امتلكت طائرة Boeing 727 ميزة غير معتادة أصبحت جزءًا أساسيًا من القضية، فقد كان يوجد في مؤخرتها درج خلفي قابل للإنزال أثناء الطيران في ظروف معينة، وهو ما منح كوبر وسيلة للخروج من الطائرة دون الحاجة إلى باب جانبي تقليدي.

بعد حصوله على المال أمر الطاقم بالتوجه نحو مكسيكو سيتي، وطلب الطيران بسرعة وارتفاع منخفضين نسبيًا مع إبقاء تجهيزات الطائرة بصورة تسمح له بتنفيذ خطته، لكن مدى الطائرة والوقود فرضا لاحقًا التوقف في رينو بولاية نيفادا.

هل تثبت التعليمات أنه كان خبيرًا بالطيران؟

معرفة كوبر بإمكانات الطائرة توحي بأنه امتلك بعض المعلومات عن Boeing 727، لكنها لا تثبت أنه كان طيارًا عسكريًا أو خبير مظلات محترفًا، فالتحقيق نفسه كشف عن اختيارات بدت بعيدة عن الطريقة التي قد يتصرف بها قافز محترف.

فقد قفز الرجل ليلًا في طقس سيئ، وهو يرتدي حذاء وملابس عمل عادية، واستخدم مظلة لم تكن قابلة للتوجيه بسهولة، ولم يكن يعرف على ما يبدو أن إحدى المظلات الاحتياطية التي أخذها كانت معدة للتدريب ومخيطة بصورة تجعلها غير صالحة للاستخدام الفعلي.

اللحظة التي اختفى فيها دي بي كوبر

بعد إقلاع الطائرة من سياتل بقي كوبر في المقصورة الخلفية بينما كان أفراد الطاقم داخل قمرة القيادة، وفي مرحلة من الرحلة أضاء مؤشر يخبر الطيارين بأن الدرج الخلفي قد فُتح، ثم شعر الطاقم بعد ذلك بتغير في حركة الطائرة يرجح أنه حدث عندما غادر الرجل الدرج وقفز.

يضع التحقيق القفزة بعد الساعة الثامنة مساءً بقليل، في منطقة ما بين سياتل ورينو، وسط الظلام والرياح والأمطار، وكان كوبر يحمل معه جزءًا كبيرًا من أموال الفدية مربوطًا بطريقة ما بجسده أو معدات القفز.

عندما هبطت الطائرة في رينو دخلت السلطات المقصورة، فلم يكن كوبر موجودًا، ولم يتبقَ سوى آثار مادية محدودة بينها ربطة عنق سوداء وبعض معدات المظلات، أما الرجل والمال والمظلة الرئيسية التي استخدمها فقد اختفوا.

قد يهمك أيضًا: زودياك Zodiac وقصة المجرم الذي بقيت هويته لغزًا

ماذا فعل FBI بعد اختفاء كوبر؟

بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي عملية واسعة حملت الاسم الرمزي NORJAK، وهو اختصار مشتق من Northwest Hijacking، وشملت عمليات بحث ميدانية واستجواب شهود وفحص الطائرة وتتبع أرقام أوراق الفدية والتحقيق في مئات الأشخاص الذين طُرحت أسماؤهم بوصفهم مشتبهًا بهم محتملين.

وتوضح الصفحة الرسمية لقضية D.B. Cooper لدى FBI أن المحققين كانوا قد درسوا أكثر من 800 مشتبه به بحلول الذكرى الخامسة للجريمة، ثم استبعدوا معظمهم مع تقدم التحقيق.

المشكلة لم تكن نقص النظريات، بل العكس تمامًا، فقد ظهر على مدى العقود عدد ضخم من الأشخاص الذين ادعى أقاربهم أو باحثون مستقلون أنهم كوبر الحقيقي، ومع كل اسم جديد كانت القضية تعود إلى الصحافة، لكن إثبات الهوية احتاج إلى شيء أقوى من التشابه في الوجه أو قصة عائلية ظهرت بعد سنوات.

أهم الأدلة التي تركها دي بي كوبر

رغم الصورة الأسطورية لرجل نفذ «الجريمة المثالية» دون أن يترك شيئًا، فقد احتفظ المحققون بمجموعة من الأدلة، لكن أياً منها لم يكن كافيًا وحده لوضع اسم حقيقي على وجه الرجل.

الدليل ماذا عُثر عليه؟ لماذا كان مهمًا؟
تذكرة الطائرة تذكرة باسم Dan Cooper أثبتت الاسم الذي استخدمه فعليًا
ربطة العنق ربطة عنق سوداء تركها داخل الطائرة استُخدمت لاحقًا للحصول على مواد بيولوجية وآثار دقيقة
أوصاف الشهود وصف متقارب من مضيفات شاهدنه مباشرة ساعد في إعداد الرسومات التركيبية
أرقام الفدية أرقام متسلسلة مسجلة لأوراق الـ20 دولارًا سمحت بالتعرف على أي جزء من المال إذا ظهر لاحقًا
مبلغ عُثر عليه عام 1980 5800 دولار من أموال الفدية أثبت أن جزءًا من المال وصل إلى منطقة قرب نهر كولومبيا
معدات المظلات مظلات وأجزاء تُركت في الطائرة ساعدت في دراسة طريقة استعداد الخاطف للقفز

اكتشاف أموال كوبر بعد تسع سنوات

في عام 1980 حدث التطور المادي الأهم في القضية عندما عثر طفل يدعى Brian Ingram على حزم متدهورة من أوراق فئة العشرين دولارًا أثناء وجوده مع أسرته قرب منطقة تُعرف باسم Tena Bar على ضفة نهر كولومبيا.

بلغ إجمالي المبلغ المكتشف نحو 5800 دولار، وعند فحص الأرقام المتسلسلة تبين أنها جزء من أموال الفدية التي تسلمها كوبر، فأصبح المال أول دليل مؤكد يظهر خارج الطائرة بعد ليلة الاختطاف.

لكن الاكتشاف زاد الغموض بدل أن ينهيه، لأن موقع المال وكيفية وصوله إلى ضفة النهر لم يقدما مسارًا واضحًا إلى الرجل نفسه، كما أن بقية مبلغ الـ200 ألف دولار لم يظهر في تداول مالي معروف بطريقة قادت السلطات إلى صاحبه.

النقطة التي عقدت القضية

العثور على 5800 دولار من الفدية أثبت أن المال خرج من الطائرة مع كوبر، لكنه لم يخبر المحققين إن كان الرجل قد حمله إلى الأرض حيًا، أم فقده أثناء القفز، أم وصلت الحزم إلى النهر بطريقة أخرى بعد موته.

هل نجا دي بي كوبر من القفزة؟

لا توجد إجابة مثبتة، لكن مكتب التحقيقات الفيدرالي اعتبر احتمال موته أثناء القفز تفسيرًا جديًا، فالرجل قفز ليلًا فوق منطقة وعرة في طقس سيئ، مستخدمًا مظلة محدودة القدرة على التوجيه، مع ملابس وأحذية لا تناسب الهبوط في غابة أو أرض صعبة.

إذا كان قد مات، يبقى السؤال البديهي: لماذا لم تظهر جثته أو المظلة أو معظم المال؟ الغابات الواسعة والأنهار والتضاريس تستطيع إخفاء أدلة لفترات طويلة، لكن اختفاء جميع العناصر تقريبًا أبقى المجال مفتوحًا لمن يعتقدون أنه هبط ونجح في الفرار.

وفي الاتجاه الآخر، يلفت أنصار نظرية النجاة إلى هدوء الرجل وفهمه لبعض خصائص الطائرة وقدرته على تنفيذ الخطة دون انهيار، غير أن هذه الصفات لا تثبت أنه كان قادرًا على النجاة من القفزة نفسها.

هل أنفق كوبر الـ200 ألف دولار بعد هروبه؟

لا توجد أدلة موثقة تثبت أن كوبر بدأ إنفاق أوراق الفدية بصورة واسعة بعد الجريمة، فقد كانت الأرقام المتسلسلة مسجلة، ونُشرت قوائم منها بحيث يمكن التعرف عليها إذا وصلت إلى مؤسسات مالية أو ظهرت في ظروف تلفت الانتباه.

ومع ذلك يجب عدم تصور الاقتصاد النقدي في السبعينيات كما لو أن كل ورقة كانت تمر آليًا عبر قاعدة بيانات مركزية، فقد كان تعقب النقود أصعب بكثير مما هو عليه في الأنظمة الحديثة، ولذلك فإن عدم ضبط معظم الأوراق لا يثبت أنها لم تُنفق، تمامًا كما لا يثبت أن الرجل احتفظ بها حتى موته.

أشهر المشتبه بهم في قضية D.B. Cooper

ظهرت أسماء كثيرة على مدار أكثر من خمسة عقود، لكن التعامل معها يحتاج قدرًا كبيرًا من الحذر، لأن شهرة القضية أنتجت اعترافات متأخرة وقصصًا عائلية وأبحاثًا خاصة لا تكفي وحدها لإثبات الهوية.

أحد الأسماء التي ناقشها FBI بصورة علنية هو Richard Floyd McCoy، الذي نفذ اختطافًا مشابهًا بعد أقل من خمسة أشهر وقفز من طائرة بمظلة، وهو تشابه دفع كثيرين للاعتقاد بأنه كوبر، إلا أن مكتب التحقيقات استبعده لأسباب من بينها اختلافه عن الأوصاف المتقاربة التي قدمتها مضيفات الرحلة.

القاعدة المهمة هنا أن عبارة «مشتبه به شهير» لا تعني «الرجل الذي ثبت أنه كوبر»، فلم تعلن السلطات حتى الآن هوية مؤكدة، وأي اسم جديد يحتاج إلى دليل مادي يمكن ربطه مباشرة بالطائرة أو الفدية أو الأدلة الجنائية الأصلية.

قد يهمك أيضًا: مثلث برمودا: أشهر حوادث الاختفاء والنظريات التي حاولت تفسير اللغز

هل ترك كوبر بصمات أو DNA؟

عُثر داخل الطائرة على آثار مادية متعددة، كما أصبحت ربطة العنق التي تركها كوبر من أشهر أدلة القضية، واستُخرجت منها لاحقًا عينة DNA جزئية، إلا أن المشكلة هي أن قطعة ملابس موجودة في بيئة عامة مثل طائرة ركاب يمكن أن تحمل مواد من أكثر من شخص، كما أن جودة العينات القديمة لا تضمن الحصول على ملف وراثي كامل وحاسم.

ولهذا لا يمكن أخذ أي تطابق غير مباشر وتقديمه باعتباره حلًا تلقائيًا للقضية، فالربط العلمي يحتاج إلى إثبات أن المادة محل الاختبار تعود بالفعل إلى الخاطف، ثم مقارنة موثوقة مع الشخص المشتبه به.

لماذا لم تعثر عمليات البحث على كوبر؟

تحديد منطقة الهبوط لم يكن بسيطًا، لأن مكان القفزة حُسب من بيانات الطائرة وتوقيتها والرياح ومسارها، وكل اختلاف صغير في الحسابات يمكن أن يحرك منطقة البحث مسافة كبيرة على الأرض.

كما كانت طبيعة المنطقة عقبة حقيقية، إذ تشمل غابات وأنهارًا وتضاريس يصعب تفتيشها تفتيشًا كاملًا، خصوصًا إذا كان الشخص قد هبط بعيدًا عن النقطة المتوقعة أو تحرك بعدها، أو إذا انتهت القفزة أصلًا في مكان لم يكن ضمن النطاق الذي ركزت عليه فرق البحث.

الأبحاث اللاحقة أعادت مناقشة مسارات مختلفة ونقاط هبوط بديلة، لكن من دون العثور على المظلة أو حقيبة الفدية أو قطعة شخصية تحمل ارتباطًا جنائيًا مؤكدًا بكوبر، بقيت النظريات أكبر من الأدلة.

لماذا أوقف FBI التحقيق النشط عام 2016؟

في يوليو 2016 أعلن FBI أنه سيعيد توجيه الموارد التي كانت مخصصة للقضية إلى أولويات تحقيق أخرى، بعد عقود من البحث وآلاف الصفحات من الملفات ومئات المشتبه بهم دون التوصل إلى هوية الخاطف.

هذا القرار لا يعني أن السلطات أثبتت وفاة كوبر أو اكتشفت هويته سرًا، بل يعني أن التحقيق النشط لم يعد يبرر تخصيص الموارد نفسها له، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام التعامل مع دليل مادي محدد وجديد إذا ظهر مستقبلًا.

ويمكن لمن يريد الاطلاع على حجم التحقيق نفسه الرجوع إلى ملفات D.B. Cooper المنشورة في FBI Vault، وهي تكشف إلى أي مدى تحولت عملية البحث عن شخص واحد إلى ملف هائل امتد لعقود.

لماذا أصبحت قصة D.B. Cooper أسطورة أميركية؟

السر ليس في نجاح اختطاف طائرة فقط، فقد شهدت الولايات المتحدة في تلك الفترة حوادث خطف جوي أخرى، لكن كوبر جمع عناصر نادرة في قصة واحدة: اسم مستعار، بدلة وربطة عنق، حقيبة يقال إن فيها قنبلة، مئات الآلاف من الدولارات، ثم قفزة ليلية من طائرة واختفاء بلا نهاية مؤكدة.

غياب النهاية سمح لكل جيل بإعادة كتابة الرجل وفق الصورة التي يفضلها، فمنهم من يراه مجرمًا محظوظًا مات بعد ثوانٍ من القفز، ومنهم من يصوره خبيرًا نفذ خطة محسوبة وعاش بقية حياته باسم آخر، بينما لا تمنحنا الأدلة الحالية الحق في اختيار أي من الصورتين بوصفها الحقيقة.

تشبه هذه الجاذبية ما يحدث في ملفات الجرائم التي تبقى فيها هوية الفاعل مجهولة، وهو ما نراه أيضًا في قصة زودياك، حيث يسمح الفراغ الذي تتركه الأدلة الناقصة بنمو النظريات أسرع من نمو الحقائق نفسها.

ما الحقيقة المؤكدة وما الذي بقي مجهولًا؟

هناك فرق واضح بين ما أثبته التحقيق وما أنتجته الثقافة الشعبية، وفهم القضية يبدأ من عدم الخلط بينهما.

الحقائق الأساسية التي يمكن تثبيتها هي أن رجلًا استخدم اسم Dan Cooper صعد إلى الرحلة 305 في 24 نوفمبر 1971، وهدد بوجود قنبلة، وحصل على 200 ألف دولار وأربع مظلات، وأطلق الركاب في سياتل، ثم أقلعت الطائرة مرة أخرى قبل أن يقفز منها ويختفي، كما عُثر لاحقًا على 5800 دولار من أموال الفدية.

أما هويته الحقيقية، وهل كانت القنبلة حقيقية، والمكان الدقيق الذي هبط فيه، وهل نجا من القفزة، وكيف وصلت أموال Tena Bar إلى موقعها، وما حدث لبقية الفدية، فكلها أسئلة لم تحصل على إجابة نهائية موثقة.

مقالات قد تهمك
قضايا جنائية واختفاءات وألغاز بقيت هويات أصحابها أو مصائرهم محل جدل
قضية غير محلولة
زودياك Zodiac
قاتل مجهول ترك رسائل وشفرات وحوّل هويته إلى واحدة من أشهر ألغاز الجريمة الأمريكية.
افتح القضية ←
جريمة حقيقية
جون واين غيسي: المهرج القاتل
ملف قاتل متسلسل استمر أثره لعقود، مع ضحايا مجهولي الهوية وتحقيقات أعيد فتحها بتقنيات أحدث.
اقرأ القضية ←
جريمة وجماعة
تشارلز مانسون
كيف استطاع زعيم جماعة بناء عالم مغلق حول أتباعه ودفع بعضهم إلى جرائم أصبحت جزءًا من التاريخ الجنائي.
اكتشف القصة ←
اختفاءات غامضة
مثلث برمودا
حوادث اختفاء حقيقية ونظريات عن قوى غامضة، مع فصل ما يمكن توثيقه عن الأسطورة.
ادخل إلى اللغز ←

الأسئلة الشائعة عن D.B. Cooper

س
من هو دي بي كوبر؟
ج
دي بي كوبر هو الاسم الشائع لخاطف مجهول استولى على الرحلة 305 التابعة لـNorthwest Orient عام 1971 ثم اختفى بعد القفز منها بالمظلة، وقد استخدم الرجل فعليًا اسم Dan Cooper عند شراء التذكرة، بينما ظهر اسم D.B. نتيجة خلط إعلامي، ولم تنجح التحقيقات في تحديد هويته الحقيقية بصورة نهائية.
س
متى حدث اختطاف طائرة دي بي كوبر؟
ج
حدث الاختطاف في 24 نوفمبر 1971، عشية عيد الشكر في الولايات المتحدة، عندما صعد الرجل إلى رحلة قصيرة من بورتلاند إلى سياتل، ثم هدد بوجود قنبلة وطالب بأموال ومظلات، وبعد إطلاق الركاب وإقلاع الطائرة مرة أخرى قفز ليلًا واختفى.
س
كم كان مبلغ الفدية الذي أخذه كوبر؟
ج
حصل كوبر على 200 ألف دولار أميركي من فئة العشرين دولارًا، وكانت الأرقام المتسلسلة للأوراق مسجلة حتى يمكن التعرف عليها لاحقًا، وفي عام 1980 عُثر على 5800 دولار فقط من الفدية قرب نهر كولومبيا، بينما لم يظهر معظم المبلغ بصورة حسمت مكانه أو مصير صاحبه.
س
لماذا طلب دي بي كوبر أربع مظلات؟
ج
طلب كوبر أربع مظلات، لكن السبب الحقيقي وراء اختيار هذا العدد لم يُثبت بصورة نهائية، وقد جعل الطلب السلطات تتعامل مع احتمال أن يجبر أحد الرهائن على القفز معه، لذلك كان من الخطير تزويده عمدًا بمعدات معطلة، ومع ذلك أخذ كوبر معه معدات تضمنت مظلة احتياطية تدريبية غير صالحة للقفز الفعلي.
س
هل عُثر على أموال دي بي كوبر؟
ج
عُثر على 5800 دولار من أموال الفدية عام 1980، وليس على المبلغ الكامل، فقد اكتشف طفل حزمًا متدهورة من أوراق العشرين دولارًا قرب منطقة Tena Bar على نهر كولومبيا، وأثبتت الأرقام المتسلسلة أنها من الفدية، لكن طريقة وصول المال إلى هذا الموقع بقيت موضع نقاش.
س
هل نجا دي بي كوبر من القفزة؟
ج
لا توجد أدلة تحسم ما إذا كان كوبر قد نجا من القفزة أو مات خلالها، فقد قفز ليلًا في طقس سيئ فوق منطقة وعرة بمظلة محدودة التوجيه وملابس غير مناسبة، وهي عوامل دفعت FBI إلى اعتبار موته احتمالًا قويًا، لكن عدم العثور على جثته أو مظلته أبقى فرضية النجاة قائمة.
س
هل عُرفت الهوية الحقيقية لدي بي كوبر؟
ج
لا، لم تُثبت الهوية الحقيقية لدي بي كوبر حتى اليوم، فرغم التحقيق في مئات الأشخاص وظهور أسماء عديدة في الكتب والوثائقيات والأبحاث المستقلة، لم ينجح أي مشتبه به في تجاوز الفجوة بين التشابه أو الاحتمال وبين الدليل المادي القاطع الذي يربطه مباشرة بخاطف الرحلة 305.
س
لماذا أوقف FBI البحث عن دي بي كوبر؟
ج
أوقف FBI التحقيق النشط في القضية عام 2016 لإعادة تخصيص الموارد إلى أولويات أخرى، وليس لأن اللغز حُل، وبعد نحو 45 عامًا من التحقيق لم يظهر دليل يحسم هوية الرجل، ومع ذلك أوضح المكتب أنه يمكن التعامل مع أي دليل مادي جديد ومحدد قد يظهر مستقبلًا.

الخاتمة

قضية دي بي كوبر لا تحتاج إلى إضافات خارقة حتى تبدو غير قابلة للتصديق، فالسجل المؤكد وحده يكفي: رجل مجهول صعد إلى طائرة باسم مستعار، هدد بتفجيرها، حصل على 200 ألف دولار وأربع مظلات، أطلق الركاب، ثم جعل طائرة Boeing 727 تقلع مجددًا قبل أن يقفز من مؤخرتها إلى ليلة باردة وممطرة ويختفي.

بعد أكثر من نصف قرن ما زالت لدينا تذكرة باسم مزيف، وربطة عنق، ورسومات لوجه قد يكون مات بعد دقائق أو عاش عقودًا بهوية مختلفة، كما بقيت بضعة آلاف من الدولارات التي ظهرت على ضفة نهر الدليل المادي الأكثر غرابة على رحلة انتهت بلا نهاية، ولهذا يظل السؤال الذي صنع أسطورة D.B. Cooper مفتوحًا: هل كانت خطته واحدة من أنجح عمليات الهروب في تاريخ الجريمة، أم أن الرجل الذي خدع الجميع لم ينجُ أصلًا من آخر خطوة فيها؟