السحر الأسود في مصر القديمة: أسرار الكهنة

منذ فجر التاريخ، كان المصري القديم يرى أن الكون مليء بالقوى الخفية، بعضها خير وبعضها شر، وكان يؤمن أن السحر هو الوسيلة التي تربط بين الإنسان والآلهة، فمارسه للحماية والشفاء وأحيانًا للانتقام، وقد كان السحر جزءًا من الدين نفسه، وليس مجرد خرافة، لذلك انتشر بين الملوك والكهنة والعامة، حتى صار من أهم ركائز الحضارة المصرية القديمة، بل وارتبط بالهوية الروحية للشعب كله.

السحر الأسود في مصر القديمة
السحر الأسود في مصر القديمة

مفهوم السحر الأسود عند المصريين القدماء

كان المصريون يميزون بين نوعين من السحر، أحدهما أبيض يستخدم في الخير والشفاء، والآخر أسود يُمارس في الخفاء لإلحاق الأذى بالأعداء، وكان يُعتقد أن من يستخدم السحر الأسود يخاطر بروحه، لأن هذه القوة تأتي من الأرواح الغاضبة أو الآلهة السفلى، وكان يُعرف هذا النوع من السحر باسم "heka set" أي السحر المظلم، وغالبًا ما كان يُمارس ليلاً في أماكن بعيدة عن المعابد.

أدوات ووسائل السحر الأسود

اعتمد السحرة المصريون على أدوات معينة يعتقدون أنها تحفظ الطاقة السحرية، مثل التمائم، والأحجار، والعظام، والبخور، وكان لكل أداة وظيفة محددة أثناء الطقوس، فمثلًا كانت المرايا تُستخدم لرؤية العالم الآخر، بينما كان البخور يطهر المكان من الأرواح الشريرة، وقد وجدت في المقابر الملكية أدوات سحرية مصنوعة من الذهب والعاج والعقيق، مما يوضح أهمية هذا الفن في الحياة الدينية المصرية القديمة.

أدوات ووسائل السحر الأسود

آلهة السحر في المعتقدات المصرية

آمن المصريون القدماء بأن السحر هبة من الآلهة نفسها، وأن من يتقنه هو من نال علمًا مقدسًا، ومن أبرز الآلهة المرتبطة بـ السحر الأسود في مصر القديمة
اسم الإله دوره في السحر رمزه المقدس
إيزيس إلهة الحماية والسحر الأمومي العرش أو عقد العنخ
تحوت إله الحكمة والكتابة والتعاويذ القلم والبردية
سخمت إلهة الشفاء والدمار رأس اللبؤة
أنوبيس حارس الموتى والسحر الجنائزي ابن آوى


الكهنة والسحرة في مصر القديمة

كان الكهنة يمثلون النخبة التي تمتلك أسرار السحر، إذ يتدربون سنوات طويلة داخل المعابد، فيتعلمون قراءة البرديات السحرية وحفظ التعاويذ، وكان هناك مراتب متعددة للكهنة، أعلاهم كاهن التحوتي الذي يُسمح له باستخدام السحر في الطقوس الكبرى، بينما كان الكهنة الصغار يتعلمون فقط أساسيات الكتابة والتطهير، وتشير الدراسات إلى أن بعض الكهنة كانوا يُعرفون باسم "ساحر الفرعون" لأنهم يتولون حماية القصر من اللعنات.

أشهر البرديات السحرية في التاريخ المصري

خلف المصريون وراءهم العديد من النصوص التي تُظهر مدى تقدمهم في عالم السحر، ومن أهمها:
  1. بردية ليدن السحرية: تحتوي على تعاويذ لجلب الحظ والحب وطرد الأرواح.
  2. بردية هاريس: تضم وصفات لعلاج الأمراض باستخدام كلمات مقدسة.
  3. بردية تورين: من أقدم النصوص التي تصف طرق استحضار الأرواح.
وتُعتبر هذه البرديات أقدم دليل موثق على وجود السحر المنظم في الحضارة المصرية، وقد استُخدمت على مدار أكثر من 2000 عام.
طقوس واستحضارات السحر الأسود
أشهر البرديات السحرية في التاريخ المصري
أشهر البرديات السحرية في التاريخ المصري

كانت الطقوس تُجرى عادة في أماكن مغلقة أو في المقابر القديمة، إذ يعتقد الساحر أن الأرواح تسكن الظلام، يبدأ الطقس برسم رموز على الأرض بالبخور أو الرماد، ثم تُتلى التعاويذ بنغمة ثابتة حتى "يستجيب" الكائن المطلوب، وغالبًا ما كان الساحر يستخدم دم حيوان أو زيت مقدس لرسم الرموز، وتستغرق الطقوس من 3 إلى 9 ساعات بحسب الغرض منها.

السحر في حياة الملوك والفراعنة

لم يكن السحر مقتصرًا على العامة، بل كان جزءًا من نظام الحكم، إذ استعان به الفراعنة لحماية عروشهم، فمثلًا كان الملك خوفو يحتفظ بساحر خاص يدعى "جدي" يُقال إنه استطاع إعادة الحياة لتمثال من الشمع، كما استخدم رمسيس الثاني السحر قبل معركة قادش طلبًا للنصر، وتشير النصوص إلى أن أكثر من 70% من الملوك استخدموا التمائم السحرية ضمن تجهيزاتهم الملكية.

الفرق بين السحر الأبيض والسحر الأسود عند المصريين

العنصر السحر الأبيض السحر الأسود
الغرض الحماية والشفاء الأذى والسيطرة
المصدر الآلهة الطيبة الأرواح السفلى
المكان المعابد المقابر والكهوف
النظرة المجتمعية مقبول ومقدس خطير ومحرم
الممارسون الكهنة الرسميون السحرة المنعزلون

المرأة والسحر في مصر القديمة

لعبت المرأة دورًا مهمًا في ممارسة السحر، خاصة في مجالات الخصوبة والحب والحماية، وكانت النساء يستخدمن التعاويذ في المنازل لحماية أطفالهن من المرض والعين، واشتهرت الإلهة إيزيس بقدرتها على إحياء الأموات، فأصبحت رمزًا للساحرة الأم، كما أن بعض النساء كن يعملن في القصور الملكية كمستشارات روحيات، وتشير الأدلة إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء في الطبقات الراقية كانت تمتلك تميمة خاصة بها.

التمائم والتعاويذ المنتشرة بين الشعب

كانت التمائم جزءًا لا يتجزأ من حياة المصريين، إذ كان كل شخص تقريبًا يرتدي تميمة لحمايته من الشر، ومن أبرزها:
  • عين حورس: للحماية من الحسد.
  • الجعران: يرمز للتجدد والحياة الأبدية.
  • رمز العنخ: يمثل الخلود والطاقة الإلهية.
وتُدفن هذه التمائم مع الموتى لحمايتهم في العالم الآخر، وقد وُجدت آلاف منها في المقابر الملكية والعادية على حد سواء.

نصوص اللعنات والسحر الجنائزي

كان المصريون يعتقدون أن المقابر قد تتعرض للنهب أو التدنيس، لذلك استخدموا ما يُعرف بـ"نصوص اللعنات"، وهي عبارات محفورة على الجدران تهدد من يقترب بالعقاب الإلهي، مثل "من يفتح هذا القبر سيلتهمه التمساح"، وقد اكتُشفت أكثر من 120 لعنة مكتوبة في وادي الملوك وحده، مما يعكس مدى ارتباط السحر بالموت والخلود في المعتقد المصري القديم.

العقوبات والممنوعات المرتبطة بالسحر الأسود

رغم تقديس السحر، إلا أن استخدامه ضد الملوك أو الكهنة كان جريمة كبرى، وكانت العقوبات تشمل:
  1. الإعدام حرقًا أو بالنفي من المدينة.
  2. مصادرة أدوات السحر وتدميرها علنًا.
  3. حرمان الساحر من الدفن المقدس.
وقد وُجدت نصوص قانونية من عهد الملك حورمحب تنص على عقوبة من "يستدعي الأرواح لأغراض شريرة".

أثر السحر المصري القديم على الثقافات اللاحقة

انتقلت أفكار السحر المصري إلى اليونان وروما، حيث تبنى الإغريق مفاهيم مثل "التعاويذ المكتوبة" و"دوائر الحماية"، كما أثرت الرموز المصرية مثل العنخ وعين حورس في الطقوس السحرية الأوروبية، وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 50% من رموز السحر الغربي مستمدة من مصر القديمة، مما يجعلها أقدم مصدر للسحر في التاريخ المكتوب.

أسرار برديات السحر المفقودة

في أعماق الصحراء المصرية وبين رمال المعابد القديمة، ما زال الغموض يحيط بعدد من البرديات التي لم تُكشف أسرارها بعد، فقد وُجدت برديات سحرية تعود إلى عصور مختلفة، بعضها مكتوب بالهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية، تحمل تعاويذ واستحضارات غريبة، يقال إنها كانت تُستخدم لفتح أبواب العالم الآخر أو للتواصل مع الأرواح، إلا أن أغلبها تضرر أو اختفى عبر الزمن بسبب النهب أو الحروب أو التدهور البيئي.

ومع ذلك فإن ما تم اكتشافه حتى الآن يكشف عن معرفة المصريين بقوى الطبيعة والروح والرمز، فبعض النصوص تتحدث عن استخدام أسماء سرية للآلهة للتحكم في الطقس أو شفاء الأمراض أو إرسال اللعنات، لذلك يعتقد بعض الباحثين أن البرديات المفقودة قد تحتوي على الجانب الأكثر خطورة من السحر الأسود، وهو ذلك الجزء الذي كان محظورًا على عامة الناس ومسموحًا فقط للكهنة الأعلى مرتبة، الذين اعتبروا أنفسهم وسطاء بين العالمين المرئي وغير المرئي.

رموز السحر في المقابر والمعابد

لم تكن النقوش التي تزين جدران المقابر والمعابد مجرد فن زخرفي، بل كانت في حقيقتها نصوصًا سحرية تحمل طاقة رمزية، فقد آمن المصري القديم أن الصورة تملك قوة الحياة، وأن النقش يمكن أن يُفعّل الطلسم بمجرد رؤيته أو تلاوته، لذلك امتلأت جدران المقابر بعيون حورس، والعقارب، والأفاعي، والصل المقدس، وكلها رموز للحماية من الشر والأرواح المعادية، كما استخدم الكهنة رموزًا هندسية معقدة تمثل الأبعاد الروحية للكون، مثل المفتاح "عنخ" الذي يرمز للحياة، والجعران الذي يرمز للبعث.

أما في المعابد، فكانت الجدران تحمل مشاهد لتعاويذ تُتلى أثناء الطقوس السحرية، وفي بعض الأحيان كانت تُرسم دوائر سحرية داخلها لحبس الأرواح الشريرة أو توجيه الطاقات الكونية نحو هدف محدد، وقد أظهرت الدراسات الأثرية أن كل رمز كان يُستخدم وفق حسابات دقيقة للزمن والمكان، وكأنها لغة كونية بين الكاهن والعالم الخفي.

العلاقة بين الطب والسحر في مصر القديمة

ارتبط السحر بالطب ارتباطًا وثيقًا في مصر القديمة، لأن المصريين رأوا أن المرض ليس فقط ظاهرة جسدية، بل هو أيضًا اختلال في التوازن الروحي، ولذلك كان الطبيب في تلك العصور يُعرف باسم “ساحر الشفاء”، فهو يجمع بين المعرفة العلمية والطقوس السحرية، وكان يستخدم الأعشاب والزيوت والعقاقير، ولكنها لا تُعطى دون تعويذة تُتلى لجذب طاقة الشفاء.

وقد تم العثور على برديات طبية مثل بردية “إبيرس” التي تحتوي على وصفات علاجية تمتزج بالسحر، مثل كتابة اسم المريض على تميمة ورشها بالماء المقدس قبل تناول الدواء، أو استخدام رموز محددة على الجسم لتقوية المناعة ضد الأرواح المؤذية، ومن المثير أن هذه الطقوس لم تكن تُعتبر شعوذة، بل جزءًا من علم متكامل يجمع بين الروح والجسد والعقل، ولهذا يُعد الطب المصري القديم أول نموذج لما نُسميه اليوم “الطب الشامل”، حيث كان الشفاء يعتمد على الانسجام بين الإنسان وقوى الكون.

الأسئلة الشائعة حول السحر الأسود في مصر القديمة

السؤال: هل كان السحر علماً معترفاً به؟

الجواب: نعم، كان يُعتبر علمًا مقدسًا يُدرّس داخل المعابد الكبرى تحت إشراف كهنة الإله تحوت.
السؤال: هل كان يُستخدم السحر في الطب؟

الجواب: بالتأكيد، فالكهنة كانوا يخلطون الأعشاب بالتعاويذ لعلاج الأمراض، واعتقدوا أن الكلمة نفسها تمتلك قوة شفاء.

السؤال: ما أشهر التمائم السحرية؟

الجواب: أشهرها عين حورس والجعران والعنخ، وكل واحدة منها تمثل جانبًا من الحماية الإلهية.

في النهاية، يبقى السحر الأسود في مصر القديمة أحد أعقد الجوانب في تاريخ الحضارة المصرية، لأنه جمع بين الدين والعلم والخيال، فالمصريون لم يروا السحر مجرد قوة شريرة، بل وسيلة لفهم أسرار الكون والسيطرة عليها، ومع مرور آلاف السنين، ما زالت رموزهم وتعاويذهم حاضرة في ثقافات العالم حتى اليوم، شاهدة على عبقرية أمة جعلت من الغموض علمًا، ومن الخوف فلسفة حياة.
المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق