كيف نشأ السحر الأسود في بلاد الرافدين؟
في أرضٍ تتدفق فيها الأنهار وتزدهر فيها الأساطير، وُلد
السحر الأسود
بين دجلة والفرات، حيث حاول الإنسان القديم فهم القوى الغامضة التي تتحكم في
حياته، فخلط بين الدين والعلم والخيال، وتحول هذا الفهم مع مرور الوقت إلى نظام
من الطقوس والتعاويذ، استخدمه الناس للحماية أو للانتقام، ولعل بلاد الرافدين
كانت أول من نقل هذا الغموض إلى شكل منظم ومقدس.
|
| السحر الاسود |
أصول السحر الأسود عند السومريين
يرجع تاريخ السحر الأسود إلى ما يقارب 4000 سنة قبل الميلاد، في حضارة سومر جنوب
العراق الحالي، وكان السحر جزءاً من المعتقدات الدينية، حيث اعتبر السومريون أن
الشر هو كائن حي يمكن السيطرة عليه عبر طقوس معينة، وكان الساحر يُعرف باسم
“آشيبو” أي "الطارد للأرواح"، وكانت النصوص السحرية تُكتب على ألواح طينية بلغة
مسمارية، وتستخدم لعلاج الأمراض أو لإلحاق الضرر بالأعداء.
|
| أصول السحر الأسود عند السومريين |
الرموز والأدوات السحرية في بلاد الرافدين
استخدم السحرة رموزاً معينة اعتقدوا أنها تجلب القوة أو تطرد الأرواح، ومن أشهرها:
| الرمز | المعنى | المادة المصنوعة |
|---|---|---|
| الدائرة المغلقة | الحماية من الشر | طين أو رماد |
| العين المنقوشة | درء الحسد | العقيق أو الزجاج |
| اليد المفتوحة | رد اللعنة | نحاس أو برونز |
| الأفعى الملتفة | السيطرة على الأرواح | حجر الجاد |
طقوس مارسة السحر الأسود
كانت طقوس السحر الأسود تتم في أماكن مظلمة قرب المقابر أو المعابد القديمة،
ويبدأ الساحر برسم دوائر على الأرض بمواد مثل الرماد أو الطين الأسود، ثم
يردد تعاويذ طويلة بلغة غير مفهومة إلا له، وغالباً ما تستمر الطقوس من 3 إلى
7 ساعات متواصلة، وكانوا يعتقدون أن رقم 7 يرمز للقوى الخفية في الكون، وبعد
نهاية الطقس تُدفن الأدوات المستخدمة أو تُلقى في الأنهار لتختفي
آثارها.
قد يهمك أيضاً: أشهر طقوس السحر الأسود في العالم
السحر الأسود في بابل
مع صعود الإمبراطورية البابلية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، بلغ السحر
الأسود ذروته، وكان الملك البابلي يستعين بسحرة القصر لحماية العرش من
المؤامرات، كما أن شريعة حمورابي تضمنت قوانين ضد استخدام السحر لإيذاء
الآخرين، ومن المدهش أن بعض النصوص تشير إلى أن أكثر من 200 تعويذة سحرية كانت
متداولة في بابل وحدها، واستخدمت الطين والرماد والماء كرموز طقسية.
التعاويذ والتمائم المستخدمة
كان الناس يصنعون التمائم لحماية أنفسهم من الشر، وغالباً ما كانت تُعلق على
الأبواب أو تُدفن تحت الأرض، ومن بين المواد المستخدمة الذهب والفضة والعقيق،
وتشير الأبحاث إلى أن 70% من المنازل البابلية كانت تحتوي على تمائم سحرية،
وكان من الشائع أيضاً نقش أسماء الآلهة على الألواح الطينية ودفنها تحت المنزل
لطرد الأرواح الشريرة.
الفرق بين السحر الأسود والديني
رغم أن السحر الأسود كان يُمارس في الخفاء، فإن بعض أشكاله اقتربت من الطقوس
الدينية الرسمية، حيث كان الكهنة يستخدمون نفس الأدوات لكن لأغراض مختلفة،
ويمكن مقارنة الاثنين كما يلي:
| العنصر | السحر الأسود | الطقس الديني |
|---|---|---|
| الهدف | السيطرة أو الانتقام | العبادة والشفاء |
| الأدوات | رماد، دماء، تمائم | بخور، ماء مقدس، رموز |
| المكان | الكهوف أو المقابر | المعابد |
| اللغة | سرية وغامضة | لغات الطقوس المقدسة |
| النظرة الاجتماعية | محرم وخطير | مقدس ومقبول |
كيف كان الناس يتعلمون السحر؟
لم يكن تعلم السحر متاحاً للجميع، بل كان حكراً على طبقة خاصة تُعرف باسم الكهنة
السحرة، وكان التدريب يتم داخل المعابد في ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: دراسة النصوص الدينية والألواح المسمارية.
- المرحلة الثانية: تعلم الرموز والتعاويذ وأسماء الأرواح.
- المرحلة الثالثة: الممارسة العملية للطقوس في الخفاء.
وكانت مدة التعليم تصل إلى 10 سنوات أحياناً، لأن الساحر كان مطالباً بفهم
القوانين الكونية والرمزية.
عقوبات ممارسة السحر الأسود
في بعض الفترات، وخصوصاً في العهد الآشوري، كانت السلطات تفرض عقوبات صارمة على
من يثبت عليه استخدام السحر الأسود للإضرار بالآخرين، ومن هذه العقوبات:
- الإعدام حرقاً أو رمياً في النهر.
- النفي من المدينة لمدة 40 يوماً.
- مصادرة أدوات السحر ودفنها في المعابد كنوع من التطهير.
تأثير السحر الأسود على الحياة اليومية
كان للسحر تأثير كبير على حياة الناس، لأنهم اعتقدوا أن كل شيء يحدث بسبب قوى
خفية، حتى المرض أو الكوارث الطبيعية، ولذلك كان الناس يلجؤون إلى السحر لتفسير
ما لا يفهمونه، وتشير الدراسات إلى أن 3 من كل 5 أشخاص في بابل القديمة استعملوا
شكلاً من أشكال السحر في حياتهم اليومية.
أثر السحر الرافدي على الثقافات اللاحقة
بعد انتشار حضارات الرافدين، انتقلت فكرة السحر الأسود إلى مناطق أخرى مثل مصر
القديمة وفارس واليونان، حيث تبنى الكهنة المصريون بعض الرموز والتعاويذ البابلية
وأضافوا إليها طقوسهم الخاصة، كما استخدم الإغريق نفس رموز العناصر الأربعة
(الماء، النار، الهواء، التراب) التي ظهرت أول مرة في سومر، وتشير النصوص إلى أن
أكثر من 60% من التعاويذ الإغريقية مستوحاة من ألواح الرافدين القديمة، مما يجعل
بلاد الرافدين الأصل الأقدم لفكرة السحر المنظم في التاريخ البشري.
العلاقة بين السحر والطب في حضارات الرافدين
في تلك العصور لم يكن هناك فصل واضح بين الطب والسحر، فالمعالج كان في الوقت نفسه
كاهناً وساحراً، وكان الناس يعتقدون أن المرض ناتج عن لعنة أو روح شريرة، لذا
كانت وصفاتهم تجمع بين الأعشاب والتعاويذ، ومن الأمثلة على ذلك:
- · خلط العسل مع الرماد لعلاج الحروق.
- · استخدام الماء المقدس لطرد الأرواح المسببة للأمراض.
- · ترديد تعويذة “شوربو” أثناء لمس المريض.
وتشير النصوص الأثرية إلى أن أكثر من 150 وصفة طبية كانت تحتوي على عناصر سحرية
إلى جانب المكونات العلاجية.
السحر في حياة الملوك والحروب
لم يكن السحر مقتصراً على العامة، بل كان الملوك أنفسهم يلجأون إليه، خصوصاً قبل
المعارك الكبرى، إذ كان الساحر الملكي يقرأ الطالع في النجوم ليحدد موعد الهجوم،
أو يدفن تميمة قرب حدود المملكة لحمايتها، كما كان بعض الملوك يحتفظون بكتب سحرية
سرية داخل قصورهم، مثل الملك نبوخذنصر الثاني الذي يُعتقد أنه امتلك مجموعة من
الألواح المسمارية تحتوي على أكثر من 300 تعويذة، وكان يُقال إن انتصاراته
العسكرية كانت بفضل تلك الطقوس.
المرأة والسحر في حضارات الرافدين
كان للمرأة دور مميز في عالم السحر، إذ كانت تُعرف باسم “ماشكيتو” أي العارفة
بالأسرار، وغالباً ما كانت تُستدعى لعلاج الأطفال أو النساء الحوامل، وكانت تمارس
طقوساً خاصة تستخدم فيها الشعر والماء والزيوت، وتشير الدراسات إلى أن نحو 30% من
السحرة المعروفين في بابل كانوا نساء، وقد ارتبطت بعضهن بالإلهة عشتار التي كانت
تُعد راعية الجمال والسحر والحب.
تدوين السحر على الألواح الطينية
لم يكن السحر يُنقل شفهياً فقط، بل دُوِّن بعناية على ألواح طينية مكتوبة بالخط
المسماري، وتم العثور على مئات من هذه الألواح في مواقع أثرية مثل نينوى وبابل
وأور، وكان طول اللوح الواحد يتراوح بين 10 و30 سم، ويُكتب عليه مزيج من التعاويذ
والرموز، وبعضها كان يُختم بختم الطين لحمايته من العبث، ومن المثير أن علماء
الآثار تمكنوا من فك رموز نحو 70% من النصوص السحرية الرافدينية حتى اليوم.
السحر الأسود كأداة سياسية
في فترات من تاريخ الرافدين، استخدم الحكام السحر كسلاح سياسي، فكانوا يتهمون
خصومهم بممارسة السحر الأسود لتبرير نفيهم أو إعدامهم، ووردت نصوص تشير إلى أن
أحد الكهنة في مدينة “لارسا” حُكم عليه بالإعدام لأنه “ألقى لعنة على الملك”، كما
استخدم بعض القادة التعاويذ لزرع الخوف في قلوب الأعداء قبل المعارك، وهو ما جعل
السحر يتحول إلى وسيلة للسيطرة على الشعب والخصوم في آن واحد.
أثر السحر الأسود على الفكر الإنساني الحديث
حتى يومنا هذا، ما زالت بعض المفاهيم التي ظهرت في بلاد الرافدين تؤثر على
الثقافة الحديثة، مثل الاعتقاد بوجود العين الشريرة أو استخدام التمائم للحماية،
وكذلك فكرة “اللعنة” المنتشرة في الأدب والأفلام، ويمكن القول إن ما بدأ كطقوس في
وادي الرافدين منذ أكثر من 6000 عام تحول إلى تراث عالمي ما زال يعيش في خيال
الإنسان حتى العصر الحديث.
الأسئلة الشائعة حول السحر الأسود في بلاد الرافدين
السؤال: هل كان السحر الأسود علماً معترفاً به في بلاد الرافدين؟
الجواب: نعم، في بعض الفترات كان السحر يُعد علماً قائماً بذاته يُدرَّس داخل
المعابد الكبرى، وكان يُعرف باسم علم الأسرار الخفية، وتُحفظ نصوصه على ألواح
طينية خاصة، وكان الكهنة يتعاملون معه كأداة لفهم القوى الماورائية وتنظيم
العلاقة بين الإنسان والآلهة، لذلك لم يكن يُنظر إليه حينها كفعل محرّم بل كنوع
من المعرفة الإلهية التي تحتاج إلى انضباط.
السؤال: ما الفرق بين الساحر والكاهن في تلك الحقبة؟
الجواب: الكاهن كان يمثل السلطة الدينية الرسمية ويؤدي الطقوس نيابة عن الشعب،
بينما الساحر كان يتعامل مع قوى غامضة خارج النظام الديني، ومع ذلك فقد وُجد بعض
الأشخاص الذين جمعوا بين الدورين، إذ تشير النصوص إلى أن نحو 20% من كهنة المعابد
مارسوا السحر في الخفاء، وكان يُطلق عليهم لقب الكاهن الساحر لأنهم يجمعون بين
العلم الديني والمعرفة السحرية.
السؤال: ما الأدلة الأثرية التي تؤكد ممارسة السحر في بلاد الرافدين؟
الجواب: تم العثور على أكثر من 800 لوح طيني تحتوي على تعاويذ وتمائم مكتوبة
بالخط المسماري، كما اكتُشفت تماثيل صغيرة تُستخدم في الطقوس السحرية داخل منازل
بابل ونينوى، إضافة إلى وجود أختام حجرية منقوشة برموز غريبة، تدل على استخدامها
في الطقوس، وتُعد هذه الأدلة من أوضح الشواهد على انتشار السحر في المجتمع
الرافديني القديم.
السؤال: هل كان السحر الأسود موجهاً دائماً للشر؟
الجواب: ليس بالضرورة، فالسحر الأسود رغم ارتباطه بالشر إلا أنه في بعض الأحيان
كان يُستخدم للحماية من الأرواح أو لإبطال تعاويذ أخرى، وكانوا يعتقدون أن الشر
يمكن مقاومته بشر مماثل، ولهذا السبب كان بعض الكهنة يلجؤون إليه كوسيلة دفاعية،
وليس دائماً لأغراض الانتقام أو الأذى.
السؤال: ما أبرز المدن التي اشتهرت بممارسة السحر في بلاد الرافدين؟
الجواب: من أهم المدن التي عُرفت بانتشار السحر بابل ونينوى وأور ولارسا، حيث
وُجدت فيها مدارس لتعليم الطقوس، كما كانت بابل تُعد المركز الأكبر للسحرة
والكهنة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وتشير الدراسات إلى أن ما يقارب 40% من
النقوش الدينية التي اكتُشفت في تلك المدن تحتوي على رموز وتعويذ سحرية.
يمكن القول إن السحر الأسود في بلاد الرافدين لم يكن مجرد طقوس غامضة أو خرافات
بدائية، بل كان انعكاساً عميقاً لبحث الإنسان القديم عن القوة والمعرفة في عالم
يجهل أسراره، فقد حاول الرافديون فهم الخير والشر من خلال رموز وأصوات وأفعال
تمزج بين الدين والعلم والخوف، ومع مرور الزمن تحولت تلك الممارسات إلى أساسٍ
لكثير من المعتقدات المنتشرة في الثقافات الحديثة، فكما كانت بلاد الرافدين مهد
الكتابة والقانون، كانت أيضاً المهد الأول لفن السحر، الذي لا يزال يثير فضول
البشر حتى يومنا هذا، ليبقى أثره خالداً في ذاكرة التاريخ الإنساني.

